أحمد بن محمد القسطلاني

78

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ما الاستفهامية وهو قليل . كذا قاله الزركشي وغيره ، وتعقبه في المصابيح بأنه لا داعي هنا إلى التخريج على ذلك ، إذ يجوز أن تكون الباء بمعنى عن متعلقة بسأل نحو فاسأل به خبيرًا ، وما موصولة والعائد محذوف ، ثم أورد سؤالاً وهو أن أمر يتعدى بالباء إلى المفعول الثاني ، تقول : أمرتك بكذا فالعائد حينئذ مجرور بغير ما جر به الموصول معنى ، فيمتنع حذفه . وأجاب بأنه قد ثبت حذف حرف الجر من المفعول الثاني فينصب حينئذ نحو : أمرتك الخير ، وعليه حمل جماعة من المغربين قوله تعالى : { مَاذَا تَأْمُرِينَ } [ النمل : 33 ] فجملوا ماذا المفعول الثاني ، وجعلوا الأوّل محذوفًا لفهم المعنى ، أي تأمريننا . وإذا كان كذلك جعلنا العائد المحذوف منصوبًا ولا ضير اه - . ( فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا و ) أنه ( ينهاكم عن عبادة الأوثان ) جمع وثن بالمثلثة وهو الصنم واستفادة هرقل من قوله ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان ( و ) أنه ( يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ) ولم يعرج هرقل على الدسيسة التي دسها أبو سفيان ، وسقط هنا إيراد تقدير السؤال العاشر ، والذي بعده جوابه وثبت ذلك جميعه في الجهاد كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ثم قال هرقل لأبي سفيان : ( فإن كان ما تقول حقًا ) لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب ( فسيملك ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( موضع قدميّ هاتين ) أرض بيت المقدس أو أرض ملكه . ( وقد كنت أعلم أنه ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( خارج ) قاله لما عنده من علامات نبوّته عليه الصلاة والسلام الثابتة في الكتب القديمة ، وفي رواية سورة آل عمران فإن كان ما تقول حقًا فإنه نبي ؛ وفي الجهاد وهذه صفة نبي ، ووقع في أمالي المحاملي رواية الأصبهانيين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان أن صاحب بصرى أخذه وناسًا معه في تجارة ، فذكر القصة مختصرة دون الكتاب وزاد في آخرها قال : فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها ، قلت : نعم ، قال : فأدخلت كنيسة لهم فيها الصور فلم أره ثم أدخلت أخرى فإذا أنا بصورة محمد وصورة أبي بكر ( لم ) بإسقاط الواو ولابن عساكر في نسخة ولم ( أكن أظن أنه منكم ) أي من قريش ( فلو أني أعلم أني ) وسقطت أني الأولى في نسخة ، ولأبي الوقت إنني ( أخلص ) بضم اللام أي أصل ( إليه لتجشمت ) بالجيم والشين المعجمة أي لتكلفت ( لقاءه ) على ما فيه من المشقة ، وهذا التجشم كما قاله ابن بطال هو الهجرة وكانت فرضًا قبل الفتح على كل مسلم ، وفي مرسل ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال : ويحك والله إني لأعلم أنه نبي مرسل ولكني أخاف الروم على نفسي ، ولولا ذلك لاتبعته ، ونحوه عند الطبراني بسند ضعيف فقد خاف هرقل على نفسه أن يقتله الروم كما جرى لغيره وخفي عليه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآتي أسلم تسلم ، فلو حمل الجزاء على عمومه في الدارين لسلم لو أسلم من جميع المخلوف . . ( ولو كنت عندما ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لغسلت عن قدميه ) مما لعله يكون عليهما . قاله مبالغة في الخدمة أو لأزلت عنهما كقوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } [ النور : 63 ] قال الزمخشري : أي الذين يصدّون عن أمره ، وقال غيره : عدي بعن لأن في المخالفة معنى التباعد والحيد ، كأن المعنى الذين يحيدون عن أمره بالمخالفة والإتيان بعن أبلغ للتنبيه على هذا الغرض . وفي باب دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الناس إلى الإسلام والنبوّة ، ولو كنت عنده لغسلت قدميه . وفي رواية عن عبد الله بن شدّاد عن أبي سفيان لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه . وزاد فيها ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة يعني لما قرىء عليه الكتاب ، وتثنية قدميه رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي . وفي رواية قدمه بالإفراد . قال أبو سفيان : ( ثم دعا ) هرقل ( بكتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي من وكّل ذلك إليه ، ولهذا عدي إلى الكتاب بالباء كذا قرره في الفتح . وقال العيني : الأحسن أن يقال : ثم دعا من أتى بكتاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -